المنجي بوسنينة

59

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

آخر . إنّها لا تطمع في إعطاء القارئ صورة وهميّة عن الواقع . ولكنّها تسعى لإعطائه الصورة الحقيقيّة الفعليّة لحياة الروح والجسد ، بما فيها من اضطراب وعبث وتناقض وفوضى . إنّها تتقصّى أدقّ خلجات النفس ، ليس المضاء منها الجليّ العائم على سطح الوعي فقط ، ولكن الغارق أيضا في ما تحت الوعي وحتّى الدفين في أعمق أعماق اللاوعي . فهو استمدّ كتابته من معين الواقع عبر الصور التي أحياها في الريف أو في المدينة حيث يمثّل الريف عنده الجمال والبساطة ، وفيه من القديم الذي ذكّره بطفولته . وأدخل إلى واقعيّته النمط التحليليّ البسيكولوجيّ أكثر ممّا توقّف عند الوصف الخارجيّ . وجعل المدينة حركة دائمة ، وحمّل أبطاله الصدق والكذب والبساطة والتكبّر والحبّ في العطاء والاحترام ، والجمال والبشاعة . فمثّلت بيت شباب نمط الحياة في القرية اللبنانيّة في العادات والتقاليد ، كما مثّلت مدينة بيروت نمط التجارة والاستهلاك اليوميّ لآليّة الحياة بكلّ تغريبها وظروفها . ومن هذه الأمكنة ، استوحى الصور ، صور الخير والشرّ والحبّ والكراهية والحقّ والجمال وعكسها . فألبس أشخاصه قناع العالم الإنساني في صراعهم مع الحياة اليوميّة ، وجعلهم يعتلون خشبة المسرح على خبرة وإتقان لعبة الفنّ والتركيب . بدت الرومانسيّة في أدبه حالة وتجربة معا . هي حالة ثابتة عند بعض شخصيّات الريفيّة ، من التي لم تلوّث المدينة ريفيّتها الصافيّة ، كما في كتابه « الأرض القديمة » . وهي نتيجة تجربة عند شخصيّات أخرى دخلت معترك المدينة وخاضته ، كما في روايتي « أربعة أفراس حمر » و « لا تنبت جذور في السماء » . والرومانسيّة عنده حلّ من الحلول الممكنة للإنسان الباحث عن حرّيّته ، كانت الواقعيّة أحدها كما الرمزيّة كما العبثيّة أحيانا . ولم ينظر إلى الرومانسيّة على أنّها يقين على مستوى المثال ، بل نظر إليها على أنّها حقيقة على مستوى الإنسان . ولأنّ كلّ إنسان يخترع حلّه وفق ما يلائم وما لا يلائم ، ولأنّ المدينة كانت قد بدأت تتحكّم في إنسانها ، وتحوّل الريف تراكما زمنيّا ماضيا ، ارتدت الرومانسيّة معه نسبيّتها ، كما ظهرت بغلالة المأساة . وتستشفّ الرومانسيّة عنده من خلال التطوّر الدراميّ لقصصه ورواياته ، وتأتي غامضة وممتزجة بمناح فلسفيّة وشعوريّة . وقد دارت حول ثلاثة محاور هي : الأرض والحبّ والإيمان . والأرض تعني الريف ، ولكنّه ريف مهزوم ، يحاول عبثا أن يوقف هجوم المدينة عليه ، ويجاهد إنسانه بعناد ومكابرة ليتشبّث بما بقي له من مثل ، نقضتها المدينة والحياة الجديدة . والريف هنا يحمل مأساة جيل عرف طعم التمزّق بين ماض وحاضر ، ويحمل وجع إنسان صفعته الحضارة بأعزّ ما عنده من الحبّ والإيمان والفرح وأنقاها . وقد وعى الأشقر هذا الريف فجاءت معاناته أكثر عمقا ، ورومانسيّته أكثر حزنا ومأسويّة . وهو يرى أنّ الباقي من الريف بعض العادات والتقاليد التي تمارس على سبيل التذكّر والتذكير ليس إلّا . لكنّ هذا الواقع الريفيّ الذي وعاه الأشقر بعقله رفضه بروحه ، أي إنّ التجربة التي هزمت العقل وسلبته يقينه وقفت أمام القلب عاجزة عن أن تسلبه حبّه للريف وعزاءه فيه ، وفي هذا الصراع بين العقل المنهزم والقلب المقاوم سرّ رومانسيّته . وهذا الصراع يكاد يكون السمة البارزة لشخصيّاته كلّها . ولا ينفصل محور